فصل: تفسير الآية رقم (28):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآيات (26- 27):

{ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27)}
قوله تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ} أي رحمتَه التي تسكُن بها القلوبُ وتطمئنُّ إليها اطمئناناً كلياً مستتبِعاً للنصر القريبِ، وأما مطلقُ السكينةِ فقد كانت حاصلةً له عليه الصلاة والسلام قبل ذلك أيضاً {وَعَلَى المؤمنين} عطفٌ على رسولِه، وتوسيطُ الجارِّ بينهما للدِلالة على ما بينهما من التفاوت أي المؤمنين الذين انهزموا وقيل: على الذين ثبتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم أو على الكل وهو الأنسبُ ولا ضيرَ في تحقيق أصلِ السكينةِ في الثابتين من قبل، والتعرُّضُ لوصف الإيمانِ للإشعار بعلية الإنزال {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} أي بأبصاركم كما يرى بعضُكم بعضاً وهم الملائكةُ عليهم السلام عليهم البياضُ على خيول بُلْقٍ فنظر النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى قتال المسلمين فقال هكذا حين حمِيَ الوطيسُ فأخذ كفاً من التراب فرمى به نحو المشركين وقال: «شاهت الوجوه فلم يبقَ منهم أحدٌ إلا امتلأت به عيناه ثم قال عليه الصلاة والسلام: انهزَموا وربِّ الكعبة» واختلفوا في عدد الملائكة يومئذ فقيل: خمسةُ آلافٍ، وقيل: ثمانيةُ آلافٍ، وقيل: ستةَ عشَرَ ألفاً، وفي قتالهم أيضاً فقيل: قاتلوا، وقيل: لم يقاتلوا إلا يومَ بدر وإنما كان نزولُهم لتقوية قلوب المؤمنين بإلقاء الخواطِر الحسنةِ وتأييدِهم بذلك وإلقاءِ الرعبِ في قلوب المشركين. قال سعيد بن المسيِّب: حدثني رجل كان في المشركين يوم حُنين قال: لما كشَفْنا المسلمين جعلْنا نسوقُهم فلما انتهينا إلى صاحب البغلةِ الشهباءِ تلقانا رجالٌ بِيضُ الوجوه فقالوا: شاهت الوجوهُ ارجِعوا فرجَعنا فركِبوا أكتافنا {وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ} بالقتل والأسر والسبي {وَذَلِكَ} أي ما فُعل بهم مما ذكر {جَزَاء الكافرين} لكفرهم في الدنيا {ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذلك على مَن يَشَاء} أن يتوبَ عليه منهم لحكمة تقتضيه أي يوفقه للإسلام {والله غَفُورٌ} يتجاوز عما سلف منهم من الكفر والمعاصي {رَّحِيمٌ} يتفضل عليهم ويثيبهم. روي «أن ناساً منهم جاءوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام وقالوا: يا رسول الله أنت خيرُ الناسِ وأبرُّ الناس وقد سُبيَ أهلونا وأولادنا وأُخذت أموالُنا. قيل: سُبيَ يومئذ ستةُ آلافِ نفسٍ وأُخذ من الإبل والغنمِ ما لا يُحصى فقال عليه الصلاة والسلام: إن عندي ما ترون إن خيرَ القولِ أصدقُه، اختاروا إما ذرارِيَكم ونساءَكم وإما أموالَكم قالوا: ما كنا نعدِل بالأحساب شيئاً فقام النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن هؤلاء جاءونا مسلمين وإنا خيَّرناهم بين الذراري والأموالِ فلم يعدِلوا بالأحساب شيئاً فمن كان بيده سبْيٌ وطابت نفسُه أن يرُدَّه فشأنُه، ومن لا فليُعطِنا وليكُنْ قَرْضاً علينا حتى نُصيبَ شيئاً فنعُطِيَه مكانه، قالوا: قد رضِينا وسلّمنا فقال عليه الصلاة والسلام: إنا لا ندري لعل فيكم من لا يرضى فمُروا عُرفاءَكم فليرفعوا ذلك إلينا فرَفَعتْ إليه العرفاءُ أنهم قد رضُوا».

.تفسير الآية رقم (28):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)}
{ياأيها الذين ءامَنُواْ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ} وُصفوا بالمصدر مبالغةً كأنهم عينُ النجاسةِ أو هم ذوو نجسٍ لخُبث باطنِهم أو لأن معهم الشركَ الذي هو بمنزلة النجَس أو لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاساتِ فهي ملابسةٌ لهم. عن ابن عباس رضى الله عنهما أن أعيانَهم نجِسةٌ كالكلاب والخنازير، وعن الحسن من صافح مشرِكاً توضأ، وأهلُ المذاهبِ على خلاف هذين القولين، وقرئ {نِجْسٌ} بكسر النون وسكون الجيم وهو تخفيف نجس ككِبْدٍ في كَبِد كأنه قيل: إنما المشركون جنسٌ نجسٌ أو ضرْبٌ نجس، وأكثرُ ما جاء تابعاً لرِجْس {فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام} تفريعٌ على نجاستهم وإنما نُهي عن القرب للمبالغة أو للمنع عن دخولِ الحرمِ، وهو مذهبُ عطاءٍ، وقيل: المرادُ به النهيُ عن الدخول مطلقاً، وقيل: المرادُ المنعُ عن الحج والعمرةِ وهو مذهبُ أبي حنيفةَ رحمه الله تعالى ويؤيده قوله عز وجل: {بَعْدَ عَامِهِمْ هذا} فإن تقييدَ النهي بذلك يدل على اختصاص المنهيِّ عنه بوقت من أوقات العام، أي لا يحجُّوا ولا يعتمِروا بعد حجِّ عامِهم هذا، وهو عامُ تسعةٍ من الهجرة حين أُمّر أبو بكر رضي الله عنه على الموسم ويدل عليه قولُ عليَ رضي الله عنه حين نادى ببراءة: ألا لا يحُجَّ بعد عامِنا هذا مشركٌ، ولا يُمنعون من دخول الحرمِ والمسجد الحرام وسائرِ المساجدِ عنده، وعند الشافعي يمنعون من المسجد الحرام خاصة، وعند مالك يمنعون من جميع المساجد، ونهيُ المشركين أن يقرَبوه راجعٌ إلى نهي المسلمين عن تمكينهم من ذلك، وقيل: المرادُ أن يُمنعوا من تولي المسجد الحرام والقيامِ بمصالحه ويُعزَلوا عن ذلك.
{وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} أي فقراً بسبب منعِهم من الحج وانقطاعِ ما كانوا يجلُبونه إليكم من الإرفاق والمكاسب، وقرئ {عائلةً} على أنها مصدرٌ كالعافية أو حالاً عائلة {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ} من عطائه أو من تفضله بوجهٍ آخَرَ فأرسل الله تعالى السماء عليهم مدراراً أغزر بها خيرَهم وأكثر ميرَهم وأسلم أهلُ تبالةَ وجرشٍ فحمَلوا إلى مكة الطعامَ وما يُعاش به فكان ذلك أعودَ عليهم مما خافوا العَيلةَ لفواته ثم فتح عليهم البلادَ والغنائمَ وتوجه إليهم الناسُ من أقطار الأرض {إِن شَاء} أن يغنيَكم مشيئةً تابعةً للحِكمة الداعيةِ إليها وإنما قيد ذلك بها لتنقطعَ الآمالُ إلى الله تعالى ولأن الإغناءَ ليس مطرداً بحسب الأفراد والأحوال والأوقات {إِنَّ الله عَلِيمٌ} بمصالحكم {حَكِيمٌ} فيما يُعطي ويمنع.

.تفسير الآية رقم (29):

{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)}
{قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الاخر} أمرَهم بقتال أهلِ الكتابين إثرَ أمرِهم بقتال المشركين وبمنعهم من أن يحرموا حول ما كانوا يفعلونه من الحج والعمرةِ غيرَ خائفين من الفاقة المتوهَّمةِ من انقطاعهم، ونبّههم في تضاعيف ذلك على بعض طرقِ الإغناء الموعودِ على الوجه الكليِّ وأرشدهم إلى سلوكه ابتغاءً لفضله واستنجازاً لوعده، والتعبيرُ عنهم بالموصول للإيذان بعلِّية ما في حيز الصلةِ للأمر بالقتال وبانتظامهم بسبب ذلك في سلك المشركين، فإن اليهودَ مُثَنّيةٌ والنصارى مُثلِّثةٌ، فهم بمعزل من أن يؤمنوا بالله سبحانه وباليوم الآخر فإن عِلمَهم بأحوال الآخرة كلا علمٍ، فإيمانُهم المبنيُّ عليه ليس بإيمان به {وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ} أي ما ثبت تحريمُه بالوحي متلوّاً أو غيرَ متلوٍ. وقيل: المرادُ برسوله الرسولُ الذي يزعُمون اتباعَه أي يخالفون أصلَ دينهم المنسوخِ اعتقاداً وعملاً {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق} الثابتَ الذي هو ناسخٌ لسائر الأديان وهو دينُ الإسلام وقيل: دين الله {مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} من التوراة والإنجيل، فمن بيانيةٌ لا تبعيضيةٌ حتى يكونَ بعضُهم على خلاف ما نُعت {حتى يُعْطُواْ} أي يقبَلوا أن يعطوا {الجزية} أي ما تقرَّرَ عليهم أن يُعطوه، مشتقٌّ من جزَى دَينَه أي قضاه، أو لأنهم يَجْزُون بها مَنْ مَنّ عليهم بالإعفاء عن القتل {عَن يَدٍ} حالٌ من الضمير في يُعطوا أي عن يد مؤاتيةٍ مطيعةٍ بمعنى منقادين، أو من يدهم بمعنى مسلّمين بأيديهم غيرَ باعثين بأيدي غيرِهم ولذلك مُنع من التوكيل فيه، أو عن غِنىً ولذلك لم تجِب الجزيةُ على الفقير العاجزِ، أو عن يد قاهرةِ عليهم أي بسبب يد بمعنى عاجزين أذلأَ أو عن إنعام عليهم، فإن إبقاءَ مُهجتِهم بما بذلوا من الجِزية نعمةٌ عظيمةٌ عليهم، أو من الجزية أي نقداً مسلّمةً عن يد إلى يد، وغايةُ القتالِ ليست نفسَ هذا الإعطاء بل قبولَه كما أشير إليه {وَهُمْ صاغرون} أي أذلاءُ وذلك بأن يأتيَ بها بنفسه ماشياً غيرَ راكبٍ ويسلِّمَها وهو قائمٌ والمتسلِّمُ جالسٌ ويُؤخَذَ بتَلْبيبه ويقال له: أدِّ الجزية وإن كان يؤديها، وهي تؤخذ عند أبي حنيفة رضي الله عنه من أهل الكتاب مطلقاً ومن مشركي العجَم لا من مشركي العرب، وعند أبي يوسف رضي الله عنه لا تؤخذ من الأعجميِّ كتابياً كان أو مشركاً وعند الشافعي رضي الله عنه تؤخذ من أهل الكتابِ عربياً أو عجمياً، ولا تؤخذ من أهل الأوثانِ مطلقاً، وذهب مالكٌ والأوزاعيُّ إلى أنها تؤخذ من جميع الكفارِ، وأما المجوسُ فقد اتفقت الصحابةُ رضي الله عنهم على أخذ الجزيةِ منهم لقوله عليه الصلاة والسلام: «سُنّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب».
وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان لهم كتابٌ يدرُسونه فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرُفع من بين أظهُرِهم، واتفقوا على تحريم ذبيحتِهم ومناكحتِهم لقوله عليه الصلاة والسلام في آخر ما نقل من الحديث «غيرَ ناكحي نسائِهم ولا آكلي ذبيحتِهم» ووقت الأخذ عند أبي حنيفة رضي الله عنه أولُ السنة وتسقطُ بالموت والإسلام، ومقدارُها على الفقير المعتمِل اثنا عشر درهماً وعلى المتوسط الحالِ أربعةٌ وعشرون درهماً وعلى الفتى ثمانيةٌ وأربعون درهماً ولا جزيةَ على فقير عاجزٍ عن الكسب ولا على شيخ فانٍ أو زَمِنٍ أو صبيَ أو امرأةٍ، وعند الشافعي رضي الله عنه تؤخذ في آخر السنة من كل واحد دينارٌ غنياً كان أو فقيراً كان له كسبٌ أو لم يكن.

.تفسير الآية رقم (30):

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)}
{وَقَالَتِ اليهود} جملةٌ مبتدأةٌ سيقت لتقريرٍ ما من عدم إيمانِ أهلِ الكتابين بالله سبحانه وانتظامِهم بذلك في سلك المشركين {عُزَيْرٌ ابن الله} مبتدأٌ وخبرٌ وقرئ بغير تنوينٍ على أنه اسمٌ أعجميٌّ كعازَرَ وعزَارَ غيرُ منصرفٍ للعجمة والتعريف، وأما تعليلُه بالتقاء الساكنين أو بجعل الابن وصفاً على أن الخبرَ محذوفٌ فتعسّفٌ مستغنىً عنه. قيل: هو قولُ قدمائِهم ثم انقطع فحَكى الله تعالى ذلك عنهم، ولا عبرةَ بإنكار اليهودِ وقيل: قولُ بعضٍ ممن كان بالمدينة. عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ناسٌ منهم وهم سلامُ بنُ مِشْكَم ونعمانُ بنُ أوفى وشاسُ بنُ قيسٍ ومالكُ بنُ الصيف فقالوا ذلك وقيل: قاله فنحاصُ بنُ عازوراءَ وهو الذي قال: {إن الله فقيرٌ ونحن أغنياء} وسببُ هذا القولِ أن اليهودَ قتلوا الأنبياءَ بعد موسى عليه السلام فرفع الله تعالى عنهم التوراةَ ومحاها من قلوبهم، فخرج عزيرٌ وهو غلامٌ يَسيح في الأرض فأتاه جبريلُ عليه السلام فقال له: أين تذهب، قال: أطلبُ العلم فحفّظه التوراةَ فأملاها عليهم عن ظهر لسانه لا يخرِم حرفاً، فقالوا: ما جمع الله التوراةَ في صدره وهو غلامٌ إلا أنه ابنُه. قال الإمام الكلبي: لما قَتل بُختُ نَصَّرُ علماءَهم جميعاً وكان عزيرٌ إذ ذاك صغيراً فاستصغره ولم يقتُلْه فلما رجع بنو إسرائيلَ إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوارةَ بعث الله تعالى عزيراً ليجدد لهم التوراةَ ويكونَ آيةً بعد ما أماته مائةَ عامٍ، يقال إنه أتاه ملكٌ بإناء فيه ماءٌ فسقاه فمثلت في صدره فلما أتاهم فقال لهم: إني عزيرٌ كذّبوه فقالوا: إن كنت كما تزعُم فأمْلِ علينا التوراةَ ففعل فقالوا: إن الله تعالى لم يقذِف التوراةَ في قلب رجلٍ إلا لأنه ابنُه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن اليهود أضاعوا التوارةَ وعمِلوا بغير الحقِ فأنساهم الله تعالى التوراةَ ونسخها من صدورهم ورفع التابوتَ فتضرع عزيرٌ إلى الله تعالى وابتهل إليه فعاد حفظُ التوراةِ إلى قلبه فأنذر قومه به ثم إن التابوت نزلَ فعرضوا ما تلاه عزيرٌ على ما فيه فوجدوه مثلَه فقالوا ما قالوا.
{وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله} هو أيضاً قولٌ لبعضهم وإنما قالوه استحالةً لأن يكون ولدٌ بغير أبٍ أو لأن يفعَلَ ما فعله من إبراء الأكمهِ والأبرصِ وإحياءِ الموتى مَنْ لم يكن إلها {ذلك} إشارةٌ إلى ما صدر عنهم من العظيمتين، وما فيه معنى البُعد للدِلالة على بُعد درجةِ المشار إليه في الشناعة والفظاعة {قَوْلُهُم بأفواههم} إما تأكيدٌ لنسبة القولِ المذكورِ إليهم ونفي التجوّزِ عنها أو إشعارٌ بأنه قولٌ مجرد عن برهان وتحقيقٍ مماثل للمُهمل الموجودِ في الأفواه من غير أن يكون له مصِداقٌ في الخارج {يضاهئون} أي في الكفر والشناعةِ وقرئ بغير همز {قَوْلَ الذين كَفَرُواْ} أي يشابه قولُهم على حذف المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه عند انقلابِه مرفوعاً قولَ الذين كفروا {مِن قَبْلُ} أي من قبلهم وهم المشركون الذين يقولون: الملائكةُ بناتُ الله أو اللاتُ والعزّى بناتُ الله لا قدماؤهم كما قيل إذا لا تعددَ في القول حتى يتأتّى التشبيهُ، وجعلُه بين قولي الفريقين مع اتحاد المقولِ ليس فيه مزيدُ مزيةٍ وقيل: الضميرُ للنصارى أي يضاهي قولُهم: المسيحُ ابنُ الله قولَ اليهودِ عزيزٌ إلخ لأنهم أقدمُ منهم وهو أيضاً كما ترى فإنه يستدعي اختصاصَ الردِّ والإبطالَ بقوله تعالى: {ذلك قَوْلُهُم بأفواههم} بقول النصارى: {قاتلهم الله} دعاءٌ عليهم جميعاً بالإهلاك فإن مَنْ قاتله الله هلك، أو تعجّبٌ من شناعة قولِهم {أنى يُؤْفَكُونَ} كيف يُصْرفون من الحق إلى الباطل والحالُ أنه لا سبيل إليه أصلاً.

.تفسير الآية رقم (31):

{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)}
{اتخذوا} زيادةُ تقريرٍ لما سلف من كفرهم بالله تعالى {أحبارهم} وهم علماءُ اليهود، واختُلف في واحده، قال الأصمعي: لا أدري أهو حَبْرٌ أم حِبْرٌ وقال أبو الهيثم: بالفتح لا غير، وكان الليثُ وابنُ السِّكِّيتِ يقولان: حِبْرٌ وحَبْرٌ للعالِم ذمياً كان أو مسلماً بعد أن كان من أهل الكتاب {ورهبانهم} وهم علماءُ النصارى من أصحاب الصوامعِ أي اتخذ كلُّ واحد من الفريقين علماءَهم لا الكلُّ الكلَّ {أَرْبَابًا مّن دُونِ الله} بأن أطاعوهم في تحريم ما أحله الله تعالى وتحليلِ ما حرمه أو بالسجود لهم ونحوِه تسميةُ اتِّباعِ الشيطان عبادةً له كما في قوله تعالى: {سَوِيّاً ياأبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان} وقوله تعالى: {بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن} قال عدي بن حاتم: أتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليبٌ من ذهب وكان إذ ذاك على دين يسمَّى الركوسية فريق من النصارى وهو يقرأ سورةَ براءة فقال: «يا عديُّ اطرَحْ هذا الوثنَ» فطرحتُه فلما انتهى إلى قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله} قلت: يا رسولَ الله لم يكونوا يعبُدونهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «أليس يحرِّمون ما أحل الله فتُحرِّمونه ويُحِلّون ما حرم الله فتَستحلّونه؟» فقلتُ: بلى، قال: «ذلك عبادتُهم» قال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبيةُ في بني إسرائيلَ؟ قال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله تعالى ما يخالف أقوالَ الأحبارِ فكانوا يأخُذون بأقوالهم ويترُكون حُكمَ كتابِ الله {والمسيح ابن مَرْيَمَ} عطفٌ على رهبانهم أي اتخذه النصارى رباً معبوداً بعد ما قالوا إنه ابنُه، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وتخصيصُ الاتخاذِ به يشير إلى أن اليهودَ ما فعلوا ذلك بعزيرٍ، وتأخيرُه في الذكر مع أن اتخاذَهم له عليه الصلاة والسلام رباً معبوداً أقوى من مجرد الإطاعةِ في أمر التحليل والتحريمِ كما هو المرادُ باتخاذهم الأحبارَ والرهبانَ أرباباً، لأنه مختصٌّ بالنصارى، ونسبتُه عليه الصلاة والسلام إلى أمه من حيث دلالتُها على مربوبيته المنافيةِ للربوبية للإيذان بكمال ركاكةِ رأيِهم والقضاءِ عليهم بنهاية الجهل والحماقة.
{وَمَا أُمِرُواْ} أي والحالُ أن أولئك الكفرةَ ما أُمروا في كتابيهم {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا} عظيمَ الشأنِ هو الله سبحانه وتعالى ويطيعوا أمرَه ولا يطيعوا أمرَ غيرِه بخلافه، فإن ذلك مُخِلٌّ بعبادته تعالى فإن جميعَ الكتبِ السماوية متفقةٌ على ذلك قاطبةً وقد قال المسيح عليه السلام: {إنه من يشرِكْ بالله فقد حرم الله عليه الجنة} وأما إطاعة الرسولِ صلى الله عليه وسلم وسائرِ مَنْ أمر الله تعالى بطاعته فهي في الحقيقة إطاعةٌ لله عز وجل أو وما أُمر الذين اتخذهم الكفرةُ أرباباً من المسيح والأحبارِ والرهبانِ إلا ليوحِّدوا الله تعالى فكيف يصِحُّ أن يكونوا أرباباً وهم مأمورون مستعبَدون مثلَهم ولا يقدح في ذلك كونُ ربوبيةِ الأحبار والرهبان بطريق الإطاعةِ فإن تخصيصَ العبادة به تعالى لا يتحقق إلا بتخصيص الطاعَةِ أيضاً به تعالى وحيث لم يخُصوها به تعالى لم يخصّوا العبادةَ به سبحانه {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} صفةٌ ثانيةٌ لإلها أو استئنافٌ مقرِّرٌ للتوحيد {سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ} عن الإشراك به في العبادة والطاعةِ.